ابن بسام

300

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

الغدران المغدقة ، وتنغّصت مشاهدة هذا الجوّ الرقيق الشمائل ، اللازورديّ الغلائل ، حتى صارت لا تلتذّ بوكر تبنيه ، ولا بفرخ تغذّيه ، علما بأنّ لها منه مفرّق العدد ، وفاجع الوالد بالولد ؛ ولو علمت هذه الأطيار الشامتة بنفاده ، السالكة سبيل الأشر بافتقاده ، بما يعدّه سيدنا لها من ذوي ظفر مظفّر ، ومنسر للطير ميسّر ، وخلف صالح ، وجارح جارح ، أشدّ لها منه اصطلاما ، وأسدّ إلى مقاتلها سهاما ، لعلمت أنّ كثرتها استجماع [ 1 ] له ، وأن وفورها توفير عليه . وفي فصل منها : وما ألوم هذا المارق على ملله وانحياشه ، لأنه كان قد تعوّد أن يصيد بمقدار قوته ومعاشه ، فصار سيّدنا يستخدمه بهمّة تطلب الغاية البعيدة ، وتستسهل [ 143 ] المشقة الشديدة ، التي هزلها جدّ ، وجورها قصد ، ولعبها ارتياض ، يتصيّر من لم ينقد إليها سريعا ، [ ذا ] ضراوة على اقتناص من لم ينته إلى أوامرها مطيعا ، فلم يطق على ذلك جلدا ، ولم يجد بهذا الأمر الفادح يدا ، فما أشدّ بسطي لعذره ، ومعرفتي بسبب غدره ، وآمل أن يتذكّر ما كان له بفنائه من نعيم ، خياله بين عينيه ، وطيب عيش ، تذكّره أجدى له من حماقية ، فتدعوه عواطف التربية والإيثار ، وتزول عنه عوارض السّهو والاغترار ، فيعود إلى رسمه ، ويعوذ من جرمه ، ويرجع وقد أدّبته النكبة ، وهذّبته الغربة . / وكان في ذلك الأوان بمدينة [ تكريت ، رئيس ] [ 2 ] ممن يشار إليه ، ويعوّل قومه عليه ، فرأى في منامه [ 3 ] النبيّ عليه السلام مع عليّ بن أبي طالب ، وحضّاه على الإسلام ، ووجد في الإنجيل ما دلّه على البشارة بمحمّد عليه السلام ، فاستدعي إلى الحضرة ببغداد ، وطيف به في سائر البلاد ، فكتب إليه ابن المغربيّ رقعة قال فيها : ويعلم اللّه ما ورد عليّ وعلى كافّة من حضر من المسلمين من السرور بما أبان

--> [ 1 ] ص : استجنام . [ 2 ] بياض في ص ، وزدته من تاريخ المسبحي : 235 ب والرئيس المشار إليه هو أبو مسلم مشرف بن عبيد اللّه ، وكان يعرف بالمطران الكبير ، رئيس اليعاقبة ؛ ويذكر المسبحي أن إسلام الرجل تمّ يوم الخميس السابع من جمادى الأولى سنة سبع [ . . . ] وأربعمائة وأن الوزير المغربي أرسل إليه هذه الرسالة من ميافارقين ؛ وقد أورد المسبحي جانبا من الرسالة لم يورده ابن بسام ، وانقطع فيها بضياع الأوراق ما أورده صاحب الذخيرة ما عدا سطرين منها . [ 3 ] ص : مناها .